في البحرين عندنا حالة غريبة. عفوا هي ليست حالة غريبة, فلو تمعنا وجدناها في اغلب دول العالم, خاصة النامية منهم, و بالذات عند الطبقات العليا او “الراقية” من المجتمع.
تلاحظ ان عددا كبيرا من الجيل الجديد “يرطن” باللغة الانجليزية, او ان كان كريما استعمل نسخة من ال “اللغة – ايزي”, ففي البحرين عندنا “عربيزي”, او “عنجليزي”و في امريكا اللاتينية هناك “السبانجليزي”, و في الهند تجد “الهنديزي”
اذكر انني عندما طرحت فكرة التدوين على صديقي حذرني: اياني و اياك تدون بالعربي. سألته لماذا؟
- لانه لن يقرأ لك احد
- ليش عاد
-بس… الناس تريد الانجليزي هذه الأيام. و ان لم تصدقني تفحص اغلب و اشهر المدونات في البحرين, ستجدها بالانجليزية. فاغلب المدونين من ارباب التعليم العالي, و متمكنين في الكمبيوتر, و من المتمدنين, لهذا تكون لغتهم الاولى هي الانجليزية. و انا الصراحة احذرك من الآن, ان كتبت بالعربية فأنا لن اقرأ لك.
- ليش عاد
-لاني اذا رأيت صفحة مكتظة بالحروف بالعربية لا غيرها اشمأزيت, و عورني راسي, و نفرت عن القراءة. زد شوية انجليزي, فالعربية “ما توكل عيش” هالايام!
لماذا وصلت الاوضاع بالكثير منا هذه الايام لاتخاذ اللغة الانجليزية كاللغة الام؟ يمكن الجواب يكمن في التالي: اذا كانت دراستك اغلبها بالانجليزية, و الافلام و المسلسلات التي تشاهدها و الاغاني التي تسمعها اغلبها بالانجليزية, و الكتب التي تقرأها بالانجليزية, واللغة الاكثر انتشارا في العمل الانجليزية, و اغلب اصدقائك يتعاملون بالانجليزية,فمالك حل الا الانجليزية!
و الغريب ان هذه الظاهرة منتشرة بالذات في الطبقات الغنية, و هي الطبقات التي يفترض ان تكون اكثر تعليما و “رقيا”. و لست هنا اعمم, فهذا طبعا لا ينطبق على الجميع. و لكنه من المذهل حقا ان ترى اناسا يعرفون الخافي و الداني في برامج مثل “فريندز” و “ديسبيرات هاوزيافز”, فيرددون لك ما حدث بالضبط بين رايشل و روس في الحلقة التاسعة من الموسم السادس, و لكن ان سالتهم عن درب الزلق “بققوا عينهم” دلالة على عدم الفهم!
و تراهم حافظين كلمات اغاني توباك و سنوب دوغي دوغ كلمة كلمة, و يعرفون قصة حياتهم بالمللي متر, لكن لو سألتهم عن اسم اغنية واحدة لام كلثوم اجابوا بالنفي! و الاغرب من هذا فئة “المثقفين ” الجدد, فهم يتابعون عن كثب آخر مقالات توماس فريدمان في جريدة الواشنطن بوست, و يلتهمون كتب امثال دان براون بشغف, و لكن لو سألتهم عن جبرا ابراهيم جبرا, او عبدالرحمن منيف, او حتى مؤلف بحريني كقاسم حداد, فحدث و لا حرج!
و العلامة الواضحة على الوضع الذي وصلنا اليه هي تطلعات و اهداف الكثير من الناس في حياتهم. فاليوم, يتعب الشخص و يشقي ليدخل ابناءه في مدرسة خاصة من اللواتي يجعلن الانجليزية اهتمامهم الرئيسي, ثم يرسلهم الى جامعة في امريكا و انجلترا , ثم الهدف ان يحصلوا على عمل في احدى الشركات الكبرى, و يا حبذا لو تكون من الشركات الاجنبية ذات السمعة المرموقة.
لكن فاقد الشيء لا يعطيه, فهذه حال الدنيا هذه الايام. افضل التعليم و افضل الاعمال تتطلب الانجليزية, و هذه الظاهرة ليست بحصرية على البحرين و لكنها موجودة في اغلب مجتمعات العالم. اذا هذا واقع الدنيا, فماذا عسى الناس ان تفعل؟
لنتمعن في هذه الحياة التي كلنا نسعى اليها. نحن نريد الخير و الرقي و الرفعة لكل الناس, اليس هذا صحيح؟ اليس هذا ما يوعدنا به السياسيون و ما يتمناه الناس للبشر اجمع؟ اذن, دعنا نحلم للحظة, و دعنا نتخيل اننا نعيش في عالم حيث عمت الخيرات على الجميع, و كان بامكان جميعنا تحقيق احلامنا الوردية. لنتخيل انه اصبح بمقدورنا جميعا ان نحظى بارفع الاعمال و التحصيلات الدراسية التي رسمناها لانفسنا غاية في مجتمعنا. يعني, فلنتخيل اننا جميعا “ترقينا و تمدنا” و اصبحنا من هذه الطبقة المتنفذة في المجتمع. و لنتخيل ان هذا الخير عم العالم باجمعه.
كيف سيكون شكل هذا العالم؟
-سنكون جميعا قد تخرجنا من ارقى و اشهر جامعات امريكا و انجلترا. فهذا فلان من السوربون وهذا فلتان من كمبريدج, و ذاك الباشا من هارفارد.
- الجميع سيعمل في ارقى و اشهر الشركات العالمية. كلنا سنكون مدراء و اخصائيين في سيتي جروب او مايكروسوفت او كي بي م جي او كليفورد شانس.
-الكل سيتكلم الانجليزية باتقان
- الكل, بلا استثناء, سيلبس البدلات الراقية من جورجيو ارماني و فيرساشي و جوشي. و الكل سيكون بنفس التسريحة المودرن, و عليك طبعا ان تحلق اللحية و الشنب, ف”مب شكل الصراحة” انك تقابل خلق الله بوجه مكتظ بالشعر.
-كلنا, من طوكيو الى الرباط, سنحتسي القهوة في ستاربكس, و نأكل الهمربرجر في شيليز, و نشاهد آخر افلام برادبيت في السينما.
-سيكون بامكاننا السفر الى كل بقاع العالم و العمل فيها. و لن يكون هذا بالصعوبة التي نتخيلها, فكلنا, كما ذكرنا, سنكون من متحدثي الانجليزية, و كلنا سنعمل في نفس الشركات المرموقة, و حتى المباني التي سنشتغل فيها و الفنادق التي سنسكن بها ستكون متشابهة. فهذا الهوليدي ان متواجد في البحرين و دبي و نيو دلهي و لندن و كوالالمبور, بنفس الشكل و نفس ديكور الغرف. و باستطاعتنا الجلوس في ستاربكس او كوستا في اي من هذه الدول لاحتساء القهوة. و السالفة لن تفرق ان كنت عربيا او هنديا او يابانيا, فنحن سنكون غير مختلفين و متشابهين في نهاية الامر. فكلنا نلبس نفس الزي و نتكلم نفس اللغة و نشتغل في نفس المهن و نسكن في بيوت متشابهة. الاختلاف فقط في لون البشرة و عرض الكرشة و طول القامة.
و طبعا سيكون بامكاننا التواصل و التفاهم مع ايا كان, فيسيقتصر و يتمحور حديثنا حول تفاصيل عملنا المتشابه, و حول روعة طعم الموكا و الكابابشينو في ستاربكس, وعن آخر موديل نزل للوي فيتون من الحقائب. و ان مللنا من هذا الحديث انتقلنا لتحليل آخر حلقات اوبرا وينفري, و التي اصبحنا جميعا من اشد المتابعين لها.
و اذا اشتد ضيق الحديث تطرأنا الى العجائب في هذا العالم الكبير و الاختلافات المتواجدة من دولة الى اخرى. فكاباتشينو ستاربكس في بمباي لا يوجد مثله في العالم, فهم بيضعون فيه الهيل! تخيل! و الهمبرجر في شيليز اليابان لا يضاهى, فهم يضيفون اليه قليلا من السويا سوس! والله عالم عجيب غريب
و اذا فعلا اردنا ان نمد الحديث, تطرقنا الى اجدادنا في مختلف بقاع العالم. يا لهم من غريبي الاطوار! كانوا يتحدثون بلسان غريب, ليس كلساننا الذي اعتدنا عليه الآن, و كانوا يعيشون في بيوت اشكالها عجيبة غريبة, ويقرأون لاناس لا نفهم لهم و لا عن ما كانوا يكتبون. اما لباسهم, فيا ويلي! اللي يكتسي قطعة قماش كبيرة بيضاء, تشبه آخر نفنوف صممه ارماني, و لكن الغريب ان من يلبسه كان الرجال! وهنا لن نتطرق لماكولاتهم, فحتى اسماء الوجبات كانت غريبة. محمر و جريش و هريس و مادري شنو! اشوه اننا “عقلنا” و اتجهنا الى الهمبرجر و البيتزا و الشيكن فيليه.
- و اذا حنينا حقا الى هذا الماضي باستطاعتنا التسجيل في احدى الصفوف التي تنظمها لنا الشركة للترفيه عن النفس. فهذا صف الدبكة بقيادة الابلة سوزي لمن اراد استرجاع ايام الشام الخوالي, فهي صرفت الكثير من وقتها في تعلم هذا الفن المنقرض, و هذا صف الرقص الشرقي “البلي دانسنج”تحت اشراف مدام ليندا كبيرة خبراء هذا الفن الغربي العجيب, و اذا اصطكت مولية اشترك في صف رقصة عجيبة غريبة تسمى بالعرضةّ التي يتولى تدريسها مونسيور جون !
عالم جميل جدا الصراحة, و علينا جميعا ان نكافح و ان نشقى لاجله!
لنستمع معا الى روعة عظيمي الغناء و التلحين في اول عمل مشترك لهما.
رجعوني عنيك لأيامي اللي راحوا
علموني أندم على الماضي وجراحه
اللي شفته قبل ما تشوفك عنيه
عمر ضايع يحسبوه إزاي عليّ
انت عمري اللي ابتدي بنورك صباحه




